من دلائِل صِدقِ إيمانِ العَبد، وسلامةِ قلبِه لله تعالى، الاستسلام لأمرٍِه سبحانه في الأُمور كلِّها، وتعظيم نُصوص الشَّريعَة، والوُقُوف عِندها، وتقديمِِها على أقوال الرِّجال مهمَا كانوا (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون). وإنَّما تقع الرِّدة والضَّلال، ويتَأصَّل الزَّيغ والنِّفَاق في قلبِ العبد إذا عارَض شرع اللهِ تعَالى تقليداً لغيرِِه، أو لرأيِ أحدثه، مُتبعاً فيه هَواه، مُعرضاً عنْ شرعِ الله سبحانه (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم). ومع عظيم الأسى وشديد الأسف، فإنَّ الإعلام المُعاصر في أكثر فضائِياته وإذاعاته، وصُحُفِه ومَجلاَّته، يُربِّي المتلقين عنه على التَّمرُّد على أوامِر الله تعالى، وانتِهاك حُرُماته والاجتِراء على شريعتِه في كثير من القضَايا التي يلقيها على النَّاس من سِياسيَّة واقتِصاديَّة، واجْتماعيَّة وثقافيَّة، ولا سيَّما إذا كان الحديث عنِ المرأة وقضَاياها. لقدِ اعتاد المتلقون عنِ الإعلام وبشكلٍ يومي، بل وفي كلِّ ساعة ولحظَة، اعتادوا على مُشاهدة سُفور النِّساء، وظُهُورِهنّ بأبَهى حُلَّة وأَجمَل زِينَة، مُتكشِّفَات مُبتسِمات، مُختلِطات بالرِّجال، تجلِس المرأة بجِوار الرجل وتُمازِحه وتُضاحِكه، أمام ملايين المُشاهِدين والمُشاهِدات، ولا هيَ قريبتُه ولا هو محرم لها، وليس بينهما رباط إلاَّ رِباط الإعلام والشَّيطَان، ولا يكاد يخلو برنامج أو فقرة من رجل وامرأة في الأخبار والحِوار والرِّياضة والسِّياسة، والأزيَاء والطَّبخ، بل حتَّى برامِج الأطفَال لا بُد فيها من فتى وفتاة، وهذه الصورة المُتكرِّرة في كُلِّ لحظَة تَهُوّن هذا المُنكر العَظيم في نُفُوس المُشَاهدين، وتُحَوِّلُهُ مِن مَعصِية وعَيب إلى لا شَيء، وتِلك والله مِن الفِتَن التي يُرقِّق بعضُها بعضاً كما جاء في الحديث، واعتياد النَّاس لهذه المَشاهد الآثِمة يجعل إنكارهم لها وانصرَافهم عنها ضعيفاً جداً، بل لرُبَّما أنَكَر أكثرهم على من ينكرها، أو ينكر على من يُشَاهدها، فانقلبت مِن كونِها مُنكراً وباطلاً إلى معروف وحق لا يجوز أنْ يُجَادَل فيه أحد. وهذا التَّهوين للمُنكَر بالفِعل والصُّورة الذي يتَكرَّر في كُلِّ سَاعة ولَحظة، يُصاحِبه تسويغ له بالكلمة والمَقالة، فينبري أجهلِ النَّاس بالشَّريعة، وأضعف الخلق ديانة، لمناقشة مسائل الحِجَاب والسُّفُور والخَلوَة والاختِلاط، وسَفَر المَرأة بِلا مَحَرم، وليس نِقاشهم عِلمِياً موضوعياً لإحقاق حق وإبطَال باطِل، وإنَّما هو نسف للشَّريعة، وإبطَال للقُرآن والسُنَّة، وإلغَاء لما سَارت عليه الأُمَّة المُسلمَة في قُرونها السَّالفة، وإحلال للقوانين والعَادات الغَربية محل شريعة الله تعالى في التَّعظيم والطَّاعة والإمتِثال، باسم الإنفِتاح والرُّقي والتَّقدُّم. ومِن آثار هذا التجييش الإعلامي للباطل، ونشر تلك الرَّذائِل على أوسع نطاق، نرى تَغَيُّراً مستمراً في كثيرٍ منَ بُيوتِ المُسلمين، يَتجلَّى في مَظاهر عِدَّة، وأخلاقِ بدِيلة لم يكُن المُسلمُون يعرفونَها قبل هذا الغَزو الإعلامي، من التَّساهل بالحِجَاب، وسَفَر الفتاة للدِّراسَة بِلاَ مَحَرَم، ومُزَاحمة المرأة للرِّجال في العمل، واختلاطِها بِهِم في كَثير مِنَ المجالات والأعمال، بلا خجل ولا حياء، وأهل الفساد يوسعون دائرة الإفساد ليجتاح الأمة بأكملها، ويأتي على البيوت والأسر كلها، وإذا لم يسعَ المسلمون لإيقاف هذه الأمراض التي تفتك بالمجتمعات، ولم يأخذوا على أيدي دعاة الرذيلة وناشري الفساد، فإنه سيأتي اليوم الذي يفقد فيه الرجل سلطانه على نسائه وبناته، فيخرجن متى أردن، ويصاحبن من شئن، ويفعلن ما يحلو لهنّ، كما وقع في كثير من بلاد المسلمين التي غزاها شياطين الإنس بأفكارهم، ودمروها بمشاريعهم التغريبية التخريبية، وحينها لا ينفع ندم ولا بكاء على عفة فقدت، وقد كانت من قبل تستصرخ أهل الغيرة ولا مجيب لها، ونعيذ بالله تعالى بلاد المسلمين أن يحل بها ذلك.
إنَّ الخطَأ خطأ ولو كثر الواقعون فيه، وإنَّ المنكر لا ينقلب إلى معروف بمجرد انتشاره، وهكذا الباطل يبقى باطلاً ولو زيّنه المزورون بزخرف القول، وروجوه بالدعاية، والواجب على أهل الإسلام إنكار المنكر ولو كان المتجافي عنه غريباً في الناس، كما يجب عليهم إحقاق الحق ولو أعرض عنه أكثر الناس، فانتشار الباطل وانتشاء أهله، وغربة الحق وضعف حملته لا يسوغ السكوت والتخاذل، وإلا غرق المجتمع كله في حمأة الباطل، وطوفان الرذائل. واختلاط المرأة بالرجال هي القضية الأساس التي يسعى المفسدون لنشرها في المجتمع، ويستميتون في إقناع الناس بها، ويوجدون لها المسوغات، ويجعلونها من الضرورات، ويعزون كل بلاء في الأمة وتخلف وانحطاط إلى ما ساد من عزل المرأة عن الرجل في التعليم والعمل وغير ذلك، ويعلم المفسدون في الأرض أنهم إن نجحوا في نشر الاختلاط وقهر الناس عليه بقوة القرارات المحلية والدولية، والتَّخويف بالدوّل المستكبرَة، واستغلالِ نفوذِهم في بلادِ المسلمين، والتفافهم على أصحابِ القرارَات والتوصيات، مما يجعلهم قادرين على إلجاء الناس إليه عملياً في العمل والدراسة، وفرضه بقوة النظام، وهو ما يسعون إليه بجد وقوة، فإن ما بعد الاختلاط من الإفساد يكون أهون، والنساء إليه أسرع، كالخلوة المحرمة، وسفر المرأة بلا محرم، وسفورها وتبرجها، وعرض زينتها، وغير ذلك من الإثم والضلال، وانتهاك حرمات الكبير المتعال. ولن يوقف ذلك إلا إنكار الناس عليهم، ورفضهم لمشاريعهم التغريبية، وكشف خططهم ومآربهم لعامة الناس، والأمر يعني الجميع، ولا يختص بأحد دون أحد، ومن حق الناس أن يسعوا إلى ما فيه حفظ بيوتهم وأسرهم، وبناتهم ونسائهم من أسباب الفساد والانحراف، وأن يأخذوا على أيدي المفسدين والمفسدات، من أتباع الغرب وعبّاد الشهوات. ومن نظر في شريعة الله تعالى يجد أنها أوصدت كل الأبواب المؤدية إلى الاختلاط، وسدت الذرائع لذلك، وحمت المجتمع من الفاحشة والرذيلة بتشريعات ربانية تُبقي على المجتمع عفّته وطهارته ونقاءه، واستقامة أُسره، وصلاح بيوته، ما دام أفراده قائمين بأمر الله تعالى، ممتثلين لشرعه، مستسلمين لنصوص الكتاب والسنة، ولم يسمحوا للمفسدين أن ينخروا ذلك السياج الرباني بين الرِّجال والنِّساء.
الاختلاط باب للشر عظيم، وحبل من حبائل الشيطان يزين به للفتاة الشر، ويلبس عليها بأنه شيء صغير، فتندفع إليه الفتيات الغافلات عن شروره. ولقد منع الإسلام الاختلاط، وامتنع منه المسلمون، فجعلوا للنساء حريماً، وسموا المرأة: حرمة من التحريم، وهو غاية في التكريم، إذ معناه أن لها حرمة بالغة لقيمتها عندهم، فلا تمس من أجنبي، ولا تختلط به، لأنهم لا يرغبون في إفساد فرشهم وأعراضهم وضياع أنسابهم. وقد حذرنا الله تعالى من الانجراف وراء كيد الشيطان الذي يزين لنا الاختلاط فقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم).
اختلاط النساء بالرجال أمرٌ خطير وشر مستطير، والمفاسد والأضرار التي تعاني منها المجتمعات التي طبّقته وجرّبته خير دليل وأصدق برهان على ذلك، اختلاط النساء بالرجال تعاني منه المجتمعات التي جرّبته أشد المعاناة، فقد قوّض أمنهم، وهدم أخلاقهم، وزعزع استقرارهم، وفكك روابطهم، فسَطّرت أقلام بعضهم ذكر شيء من أضراره، وبيان شيء من أخطاره، ناصحة لبني قومها، ومحذرة في الوقت نفسه غيرها أن تحذو حذوها فيصيبها ما أصابها.
الحال الآن أن الاختلاط بين الرجال والنساء في ديار الكفار لم يزد الناس إلا شهوانية حيوانية، وسعاراً بهيميـاً، فارتكاب الفواحش وهتك الأعراض في ازدياد وارتفاع، وهذا الواقع يرد على من يقول إن الاختلاط يكسر الشهوة ويهذب الغريزة، حيث زاد الاختلاط من توقد الشهوة، وزاد من الفساد، ومثله مثل الظمآن يشرب من ماء البحر فلا يزيده شربه إلا عطشـاً على عطش، يقول سيد قطب رحمه الله: "ولقد شاع في وقت من الأوقات أن الاختلاط تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية رأيت بعيني في أشد البلاد إباحةً وتفلتاً من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية ما يكذبها وينقضها من الأساس. نعم شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي والاختلاط الجنسي بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها، إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع". أ.هـ.
إن العاقل لا يقول لنلقي إنسانـاً وسط أمواج متلاطمة، ثم نطلب منه أن يحافظ على ثيابه من البلل، وهو لا يقول لنلقي إنسانـاً وسط نيران متوقدة، ثم نطلب منه أن يحافظ على جسمه من الاحتراق، إذا كان لا يقول ذلك لعلمه باستحالته فهو كذلك لا يقول لتختلط النساء بالرجال في الوظائف والأعمال ودور التعليم والجامعات، ليقينه أن العفة لا تجتمع مع مثيراتها، ومن مثيراتها الاختلاط بين الرجال والنساء، ولذا فإن الداعين لاختلاط النساء والرجال من بعض أبناء جلدتنا ممن يتكلمون بلغتنا وينتسبون لديننا، سواء كان ذلك على جهة التعريض أو التلميح بحجة أن ذلك من مقتضيات العصر ومتطلبات الحضارة، إنما يحملون من خلال هذه الدعوة معاول هدم لأمن أوطانهم وسعادة مجتمعاتهم وترابط أسرهم، وكرامة نسائهم وغيرة رجالهم، إن العقلاء في البلاد التي جربت الاختلاط بعد أن شاهدوا آثاره المضرة ومساوئه المتعددة، نادوا بقوة بمنع اختلاط النساء بالرجال في بلادهم بعد أن أحسوا أنها تهددهم في قوتهم.
لقد توافرت النصوص الشرعية في الحرص على تباعد الرجال عن النساء درءً للفتنة. فقد جاءت الأدلة الشرعية بالأمر بقرار المرأة في بيتها وألا تخرج إلا لحاجة، ولو كانت الشريعة ترغب في كثرة لقاء الرجال بالنساء لما جاء الأمر بقرارها في بيتها. كما جاءت الشريعة بالنهي عن الدخول على النساء كقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والدخول على النساء" ولو كانت الشريعة ترغب في كثرة اللقاء بينهما لما جاء النهي عن الدخول على النساء. ولماذا لم تُلزم الشريعةُ المرأةَ ما يلزم الرجل من الواجبات الاجتماعية، فعلى سبيل المثال: أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة لا تجب على المرأة، ولا يجب عليها الجهاد في سبيل الله، وأسقط عنها الشرع النفقة، وكل هذه الأعمال تحتاج إلى الخروج من المنـزل وكثرة احتكاكها بالرجال، وهذا يبين حرص الشريعة على بعد الجنسين عن بعضهما، وقد جاء الأمر بتخصيص باب خاص للنساء في المسجد، فيا ترى لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فلو كان صلى الله عليه وسلم يرغب في كثرة احتكاك الطرفين بعضهما ببعض لما أمر بذلك ولجعلهما يخرجان من باب واحد. ثم أيها المؤمنون لماذا جاءت الأدلة بالأمر بغض البصر. فيا ترى كيف يغض بصره من كان يعمل في مكتب فيه موظفة؟ أو في مستشفى فيه طبيبة أو ممرضة؟ ولماذا فضلت الشريعة صلاة المرأة في بيتها على صلاة الجماعة بل تفضيل صلاتها في بيتها على صلاتها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الصلاة فيه مضاعفة! وكيف نجمع بين نفسين تميل بعضهما إلى بعض؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". ويا ترى ما الداعي لأن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتريث الرجال في الانصراف من المسجد حتى تخرج النساء، ولو كان الأمر مستوياً في الشريعة هل كان يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتريث الرجال لتنصرف النساء؟ ولو كان الاختلاط سائغاً لماذا جعل خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، ألا يدل ذلك على تأكيد الشريعة انفصال الرجال عن النساء؟. يقول الإمام النووي رحمه الله: "وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم ثم رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والله أعلم". انتهى ..
لقد تتابعت أقوال العلماء في بيان حرمة الاختلاط وضرره العظيم على المجتمع، ومن هنا يتبين أن هناك صوراً كثيرةً من صور الاختلاط أفتى العلماء بحرمتها فمن تلك الصور: الاختلاط في دور التعليم كالمدارس والجامعات والمعاهد، والاختلاط من خلال ما يسمى بالدروس الخصوصية في البيوت، واختلاط الخدم بالنساء في المنازل، أو اختلاط الخادمات بأهل البيت الذكور، والاختلاط في الوظائف وأماكن العمل كالمستشفيات والمصانع والشركات والمؤسسات ونحوها، والاختلاط في المحاضرات الطبيبة أو المؤتمرات أو المنتديات الاقتصادية ونحوها، والاختلاط في المناسبات والزيارات بين الجيران والأعراس والحفلات، ويتساهل أقوام بهذه الصورة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قيل له: أفرأيت الحمو يا رسول الله؟ قال: "الحمو الموت"، والاختلاط في أماكن الترفيه والمتنـزهات والمطاعم والتي تسمى اليوم بالأماكن العائلية، واختلاط الأولاد الذكور والإناث ولو كانوا إخوة بعد التمييز في المضاجع، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينهم في المضاجع.
عزل الرِّجال عنِ النِّساء، واختصاصهنّ بأعمالِ المنـزل وحضانة الأطفال، واختصاص الرِّجال بالعمل والاكتساب هي الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، وسارت عليها البشريَّة طوال تاريخها في الشَّرق والغرب وعند سائر الأمم قبل أن تأتي الحضارة المعاصرة بهذا الضَّلال، ومن قرأ تواريخ الحضارات والأمم السَّالِفة أيقن بحقيقة ذلك. ونزلت شرائِع الله تعالى على أنبيائِه ورسله عليهم السَّلام بما يوافِق هذه الفطرَة، وقد أجمعت الشَّرائع كلها حفظ النَّسل من الاختلاط، وعلى حفظ المجتمعات من الفساد والانحلال، ولذا كان الزِّنى محرماً على لسان كل المرسلين عليهم السلام، ويجمع كل العقلاء من البشر على أن الاختلاط أكبر سبب للزِّنى، كما يجمع البشر على أنَّ الزِّنى سبب للأمراض والطَّواعين التي تفتك بالنَّاس، والواقع يدل على هذه الحقائِق. ولا يماري في شيء من ذلك إلاَّ جاهل أو مكابر، فمن دعا للاختلاط ورضيه فهو يدعو للزِّنى وانتشار الفواحش، وهو يدعو كذلك لنشر الطَّاعون في النَّاس، وإهلاكِهم به، شاء ذلك أم أبى، إذ إنَّ هذه الأمراض الخبيثة هي نتاج دعوته الخبيثة. وإن تعجب فعجب لأناس يدعون للاختلاط، وينشرون الرَّذيلة في النَّاس، ثمَّ يحذرون من انتشار مرض الإيدز، فهل هم صادقون في تحذيرهم؟ وهل يعقلون ما يقولون وما يفعلون؟ وهل هم إلاَّ كمَن يسقي الإنسان سماً ثم يصيح به محذراً إيّاه أنْ يموت ممَّا سقاه. إنَّه لن تجدي المُؤتمرات والنَّدوات والتَّوعية الصِّحيَّة والاجتماعيَّة في التَّخفيف من الأمراض المستعصية النَّاجمَة عن الممارسات الجنسيّة المُحرَّمة إذا كان المفسدون يخلطون بين الرجال والنساء، ويوسعون دائرة الاختلاط يوماً بعد يوم، وينشرون في إعلامهم ما يثير الشَّهوات، ويدعو إلى الرَّذيلة، ولذا نوصيهم ألاَّ يكذبوا على النَّاس ويخدعوهم، لأنَّهم أكبر سبب من أسبابه حين شرّعوا للاختلاط، وأفسدوا الإعلام، وفرضوا على الناس آراءهم الفكرية الشهوانية. يقول العلاَّمة ابن القيم رحمه الله تعالى: "ولا ريب أنَّ تمكين النِّساء من اختلاطهنّ بالرِّجال أصل كل بليَّة وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامَّة، كما أنَّه من أسباب فساد أمور العامَّة والخاصَّة، وهو من أسباب الموت العام والطَّواعين المهلكة. ولمَّا اختلط البغايا بعسكر موسى عليه السلام، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفسير، فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك". أ.هـ.
إنّ فتنة النساء من أشد الفتن على الرجال وأضرها، وهي أول فتنة بني إسرائيل، قال عليه الصلاة والسلام: "اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإنّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" رواه مسلم. وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" رواه البخاري ومسلم، فكيف يأتي بعد هذه الأدلة الصريحة الصحيحة مسلم عاقل فيجمع بين الفاتن والمفتون في مكان واحد. لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى ولم نكُ شيئاً وهو أعلم بما ينفعنا وما يضرنا، ولهذا ارتضى لنا ديناً مبنياً على قاعدة عظيمة وهي تحقيق المصالح وتكثيرها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فأيّ مصلحة تُرجى من زجّ الشباب والفتيات في مكان واحد وتحت سقف واحد جنباً بجنب.
على كل من ابتلي بالعمل مع النساء وليس له قدرة على تغيير هذا الوضع فعليه ما يلي:
أولاً: أن يبادر بالانتقال إلى مكان آمن، فسلامة الدين لا تعدلها سلامة، قال عليه الصلاة والسلام: "إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدَّلك الله به ما هو خير لك منه" رواه الإمام أحمد.
ثانياً: إذا اضطُرّ أن يُخاطب امرأة في مجال العمل فعليه بالوسائل الشرعية الآمنة كالهاتف أو البريد الإلكتروني.
ثالثاً: إذا جاءت هي بنفسها إليه في مكتبه فعليه مراعاة ما يلي:
- أن لا تكون هناك خلوة، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ إلا ومعها ذو محرَم" رواه البخاري ومسلم.
- أن لا يكون الكلام خارجاً عن موضوع العمل وأن يختصر ما أمكن.
- أن يغضّ البصر أثناء الكلام لقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون). وعن جرير قال: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: "اصرِفْ بَصَرَكَ" رواه أبو داود.
- أن تؤمن الفتنة فلو تحركت شهوته بالكلام أو صار يتلذّذ به حرُم عليه، وهذا يحدث حينما تخضع المرأة بالقول والله عز وجل يقول: (فلا تخضعن بالقول).
ومن العجيب رغم توافر الأدلة وظهور حدود الإسلام في التعامل بين الذكور والإناث أن تنهض دعاوى تطالب بالاختلاط مدعية أن فيه تنفيس وترويح وإطلاق للرغبات الحبيسة ووقاية من الكبت ومن العقد النفسية لكنها في الحقيقة فروض نظرية ليس لها آثار إيجابية، ولو نظرنا إلى واقع المجتمعات المختلطة فعلاً لوجدنا أن في أمريكا مثلا الآن حملات قوية للدفاع عن الزواج وإقامة مدارس غير مختلطة، فمتى يعي اللاهثون المغفلون..
إنَّ الاختلاط داء ووباء، وشر وبلاء، بكل صوره ومظاهره، الاختلاط في دور التعليم والجامعات، الاختلاط في الوظائف والأندية والمواصلات والمستشفيات والزيارات وحفلات الأعراس، الاختلاط في الأعياد والمهرجانات والمناسبات، الاختلاط في الأماكن الترفيهية والحدائق والأسواق. الاختلاط بكل أشكاله محرم وتعدٍ على حدود الله وانتهاك لمحارمه (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون). الاختلاط بكل صوره نتائج الدعوات الآثمة التي ينفثها أرباب الشهوات في كتاباتهم وزواياهم، وينادون من خلالها بالمساواة بين الذكر والأنثى في كل شيء، اعتراضاً منهم على فطرة الله ومخالفةً لهديه وشريعته.
كل البلاد التي شاع فيها الاختلاط ناطقة بل صارخة بخطر الاختلاط على الدين والدنيا، لخصها أحد العلماء عندما سأله بعض الساسة الأوربيين: لماذا تبقى نساؤكم محتجبات في بيوتهنّ مدى حياتهنّ من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهم؟ فأجاب في الحال قائلاً: "لأنهنّ لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهنّ". ولما وقعت فتنة الاختلاط من جامعة مصرية كان ما كان من حوادث يندى لها الجبين، ولما سُئل عميد قلة الأدب العربي، طه حسين عن رأيه في هذا قال: "لابد من ضحايا" ولكنه لم يبين بماذا تكون الضحية؟ وفي سبيل ماذا لابد من ضحايا؟ وأي ثمرة يمكن أن تكون أغلى وأثمن من أعراض المسلمين؟. والآن نعلن وبكل قوة، ونجزم بحقيقة لا مراء فيها، وهي أنك إذا وقفت على جريمة فيها نهش العرض وذبح العفاف وأهدار الشرف، ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت هذه الجريمة وسهلت سبيلها، فإنك حتماً ستجد أن هناك ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة بين الرجال والنساء، ومن خلال هذه الثغرة دخل الشيطان، وصدق الله: (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيما).
هناك قواعد مهمة جاءت بها الشريعة لحفظ المجتمع:
القاعدة الأولى: قول الله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ): إنَّ البيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى، غير مشوَّهة ولا منحرفة ولا مُلوَّثة ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيَّأَها الله لها بالفِطرة. وإن الأم المكدودة بالعمل للكسب، المرهقة بمقتضيات العمل، لا يمكن أن تهب للبيت جوه وعطره، ولا يمكن أن تمنح الطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها، وإنَّ خروج المرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة، أما أن يتطوع الناس بها وهم قادرون على اجتنابها فتلك هي النكسة التي تصيب الأرواح والضمائر والعقول في عصور الانتكاس والضلال. فأما خروج المرأة لغير العمل، خروجها للاختلاط وأماكن الملاهي والتسكُّع في النوادي والمجمّعات وحضور الحفلات والمهرجانات فذلك هو الارتكاس في الحماة الذي يرد البشر إلى مراتع الحيوان.
القاعدة الثانية: قول الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَاب): هكذا يقول اللطيف الخبير. أما المنافق الحقير فينعق: نصف المجتمع معطل، والمجتمع يتنفس برئة واحدة. فلا يقل أحد غير ما قال الله، لا يقل أحد إن الاختلاط وإزالة الحجاب والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب وأعف للضمائر وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهَّال. لا يقل أحد شيئاً من هذا والله يقول: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَاب)، يقول هذا عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات أمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لا تتطاول إليهم وإليهنّ الأعناق، وحين يقول الله قولاً ويقول خلق من خلقه قولاً، فالقول لله سبحانه، وكل قول آخر هراء لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد. والواقع العملي الملموس يهتف بصدق الله وكذب المدعين غير ما يقوله الله، والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول، وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل، والدول الغربية أول هذه البلاد التي آتى الاختلاط فيها أبشع الثمار.
القاعدة الثالثة: قول الله تعالى: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذي في قلبه مرض، وقلن قولاً معروفا). من هنَّ اللَّواتي يحذرهنّ الله هذا التحذير؟ إنهنَّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، اللاتي لا يطمع فيهنّ طامع ولا يرف عليهنّ خاطر مريض، وفي أي عهد يكون هذا التحذير؟ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصفوة المختارة من البشريَّة، ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول وتترقق في اللفظ ما يثير الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب، وإن القلوب المريضة موجودة في كل عهد وفي كل بيئة وتجاه كل امرأة ولو كانت هي زوج النبي الكريم وأُم المؤمنين، فكيف بهذا المجتمع الذي نعيش فيه اليوم في عصرنا الذي هاجت فيها الفتن وثارت الشهوات، كيف بنا في هذا الجو الذي كل شيء فيه يثير الفتة ويُهيِّج الشهوة ويُنبه الغريزة؟ كيف بنا في هذا العصر في هذا الجو ونساء يتكسَّرن في نبراتهنّ ويتميَّعن في أصواتهنّ؟. هل بعد هذا نجد مبرراً أن تقرأ المرأة أمام الرجال وتلقي كلمة أمام الرجال وتخاطب الرجال خاضعة في القول فيطمع فيها مرضى القلوب ويتغنى بجمال صوتها ضعاف النفوس. هذه هي الحقيقة لكن أرباب الشهوات لا يفقهون.
القاعدة الرابعة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها". وقال صلى الله عليه وسلم: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء"، وحينما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق قال للنساء: "استأخرن فليس لكُنَّ أن تَحقُقْن الطريق عليكن بحافات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. فواعجباً من زمن أصبحت فيه النساء يمشين بكل زهو وتبختر أمام الرجال. وحرصاً منه صلى الله عليه وسلم على هذا المبدأ فقد أفرد باباً خاصاً للنساء يدخلن منه للمسجد ويخرجن منه لا يخالطهنّ ولا يشاركهنّ فيه الرجال، ومن ذلك تشريعه للرجال أن لا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة نساء حتى يخرجن وينصرفن إلى دورهنّ قبل الرجال. فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا سلم مكث قليلاً وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال. إنَّه في أقدس الأماكن وفي أطهر الأعمال وهي الصلاة كان الإسلام يحرص على انفصال النساء عن الرجال كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها". هذه هي الحقيقة يعلنها صلى الله عليه وسلم في مقاله وفعاله، ويقرر فيها للأمة أن الأنثى هي أنثى مهما استرجلت، وأن العواطف والهواتف في أجسادهما تشدهما شطراً إلى شطر، مهما كان الجو الذي يسودهما مفعماً بجد أو هزل، وبفرح أو ترح، وإنما يخفف من ذلك الشد أو يستره الحياء والدين وما أقلهما في عالم الاختلاط.
رُبَّ قائلٍ يقول: ما هذا التهويل وتلك الإثارة؟ ولماذا هذه المُبالغة وكأن نساءنا سيظهرن على الشواطىء عرايا أو أن المسارح سُتنصَب في الزوايا؟. ولهؤلاء نقول: ولِمَ لا يُمكِن أن يكون الأمر كذلك؟ أولم يخبرنا ربنا أن للشيطان خطوات وحذرنا منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان). أوليس الاختلاط أصبح أمراً واقعاً في كثير من ميادين حياتنا؟ فهل كان مجتمعنا كذلك قبل سنوات؟ أليس من نسائنا من تمردن على الفطرة وخلعن جلباب الحياء فنافسن الرجال في قيادة الطائرات وسباق الفروسية والعمل في الشركات والظهور مع الكبراء متبرجات؟ أوليس الاختلاط واقعاً في المستشفيات والمستوصفات وفي وسائل الإعلام وفي الحدائق والمتنـزهات وفي بعض الشركات؟ بل وفي الأجواء على الطائرات؟ فكيف حدث هذا؟ أليس بخطوات؟ أفليس إذا تواصلت الخطوات بلا إنكار ولا استنكار سنصل إلى ما يشتهون؟.
إن السعي إلى فرض الاختلاط في مجتمعنا أو الدعوة إليه أو الرضا أو السكوت عليه هو سعي لجر الأمة إلى السقوط والانهيار حينما تخسر أعظم مقوماتها وهي الدين والأخلاق والمثل، وإن من يسعى لهذه النتيجة فهو ظالم لنفسه وأمته.
ننادي دُعاة الاختلاط والانحطاط: رُويدكم يا أدعياء التقدم والتحضر، رُويدكم فقد طفح الصاع وطفح الكيل، وجاوزتم حدكم وخرجتم عن طوركم، من أنتم حتى تطاولوا السماء بأعناقكم؟ ومن أنتم حتى تنازعوا الله في حكمه؟ أنتم تقولون قولاً والله يقول قولاً، وقولكم مصادمة لقول الله، أفتريدون أن نصدق كلامكم ونتبع أهواءكم ونُخالف قول ربنا؟ تالله لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم.
إننا ننادي دُعاة الاختلاط من كان جاهلاً بآثار دعوته ونتائجها أن يستغفر ربه ويتقي الله في مقولاته وممارساته قبل أن يأتي يوم يرى فيه نتائج دعوته في أقرب الناس إليه، يراه في أخواته أو زوجته أو بناته، ونقول لهم إنَّ المسلم الحقيقي لن يسكتَ ولن يصمت لأنَّه يُدرك تمام الإدراك أن حضارته في إسلامه، واستقراره في التزامه، وعظمته بإيمانه، فهو يرفض كل دعوة تصادم إسلامه ويُناهِض كل فِكرة تُعارض التزامه. إنَّ الشخصية المسلمة ستقف لكم بالمرصاد لأنَّها تُدرك أهداف الدعوات الهابطة وألوان المشاعر المتردية. وإننا لنناشد كل مسلم ومسلمة في بلادنا بأن يقف أمام تيار الاختلاط، ندعوه إلى أن يكون أصيلاً وقوياً فلا يتقاعس عن المواجهة بالتي هي أحسن، وإنَّ الساكت أمام هذا الخطر شيطان أخرس، وسيحمل إثمه وإثم الأجيال القادمة إن فسدت (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد). وإنَّ على علماء الأمة ودُعاتُها ووُجهائُها الكفل الأعظم في مواجهة تيار التغريب بإحياء شعار "الدين النصيحة، لله ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم".
يطرح العلمانيون في الصحف والمجلات وبقية وسائل الإعلام، شبهات لتهوين أمر الاختلاط وأنه كان موجوداً في مجتمعات المسلمين منذ القديم، ويأتون ببعض الأحاديث، ومع الأسف أنها تنطلي على كثير من الناس، فكان من المناسب جمع معظم شبههم في هذه القضية والرد عليها رداً علمياً حتى لا يُخدع بهم من لا يعرفهم.
الشبهة الأولى: أن الطواف بالبيت مختلط. يثير العلمانيون هذه الشبهة ويقولون أن الطواف بالبيت فيه اختلاط ولو كان محرماً لمنع. والجواب:
أن الاختلاطَ الواقعَ اليوم في الطوافِ غيرُ جائز، والأحكام الشرعية لا تؤخذ من واقع الناس، فالطواف بالبيت لم يكن مختلطاً زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم، فالنساء يطفن وحدهنّ دون الرجال كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه". أخرجه أحمد وأبو داود وسنده حسن. وهذا ظاهر في أن النساءَ في مناسك الحج كنَّ على هيئةِ الجماعة بعيدات عن الرجال. وقد حصل شيء من الاختلاط بعد النبي صلى الله عليه وسلم فأنكره الخليفة. قال ابن حجر: "روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلاً معهنّ فضربه بالدَرَّة". وسُئل عطاءُ بنُ أبي رباح عن اختلاطِ نساءِ النبي صلى الله عليه وسلم بالرجال في الطواف فقال: " لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ " أخرجه البخاري. وهل أصرح من هذا الجواب. ومعنى حجرة: أي معتزلة في ناحية. أما الواقع فالواجب إصلاحه بما أمدنا الله جل وعلا من وسائل وإمكانات.
الشبهة الثانية: من شبه العلمانيين والتي تروجُ على بعضِ العامة في جوازِ الاختلاط: مداواةُ النساء للجرحى من الرجال في الجهاد في سبيل الله زمن النبي صلى الله عليه وسلم: والجواب:
إن المداواة هنا للضرورة، أما الرجال فالجيش بأمس الحاجة إليهم في قتال الكفار. قال ابنُ حجر في الفتحِ تعليقاً على حديث مداواة الجرحى: "وفيه جوازُ معالجةِ المرأةِ الأجنبيةِ الرجلَ الأجنبيَ للضرورة. قال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم، ثم بالمُتجالات منهنّ، وهنّ كبيرات السنّ اللواتي لا يحتجبن كالشابات، لأن موضعَ الجرحِ لا يُلتَذُّ بلُمسه، بل يَقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس". اهـ كلامُ ابنِ بطال. فانظر إلى فهمِ العلماء وقيودِهم. وهل نحنُ إلى هذه الدرجةِ من السذاجةِ حتى نستدلَّ بِمُداواةِ الجرحى للضرورة، على جواز الاختلاط في الاجتماعات والندوات والسكرتارية، وفي كل ميادين التطبيب والتمريض بلا ضرورة أو حاجة ملحة.
الشبهة الثالثة: من شبه العلمانيين: حديث الفارسي: استدلّ بعض دعاة الاختلاط بين الرجال والنساء بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن جارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسيًا كان طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه؟ لعائشة، فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، فعاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟. قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟. قال: نعم في الثالثة. فقاما يتدافعان حتى أتيا منـزله.
قالوا: ففي هذا الحديث تسويغٌ للمسلم أن يصحب زوجته إلى المآدب يقيمها جار أو صديق: والجواب:
1- هذا الحديث لا يدل على أكثر من شيء واحد وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطحب عائشة معه إلى بيت الرجل الفارسي، وهو كما دلت أحاديث كثيرة أخرى على اصطحاب الصحابة نساءهم إلى المساجد، وكما دلت أحاديث أخرى على زيارة كثير من الصحابة لأمهات المؤمنين عامة وعائشة رضي الله عنها خاصة، من أجل رواية الحديث أو أخذ الفتاوى أو السؤال عن بعض أحوال النبي عليه الصلاة والسلام. فأي تعارض بين هذه الدلالة التي لا إشكال فيها ولا نزاع، وبين الحكم الإلهي القاضي باحتجاب المرأة عن الرجال والأمر لهم إذا جاؤوا يسألونهنّ حاجة أن يسألوهنّ من وراء حجاب؟!.
2- أما أن يرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستجابة لدعوة الفارسي إلا أن تصحبه عائشة رضي الله عنها فشيء ثابت لا إشكال فيه ولا منقصة، بل إن فيه الصورة البارزة الحية لجميل خلقه صلى الله عليه وسلم مع أهله وعظيم رحمته وعاطفته تجاهها، فقد كانت تمر الأيام الطويلة ولا يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار لطعام، وإنما طعامه وطعام أهله الأسودان: التمر والماء، أفيترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أهله وهي إنما ترضى بالشظف أسوة به ليجلس من ورائها إلى مائدة شهية عامرة عند جاره الفارسي؟! ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرضى بذلك.
وأما أن يكون في ذلك ما يدل على أن عائشة رضي الله عنها ذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم متبرجة وجلست أمام الفارسي سافرة واختلطت العائلات على نحو ما يتم اليوم فهو شيء لا دلالة عليه، وحمل الحديث على هذا المعنى كحمل الشرق على أن يولد من داخله الغرب.
الشبهة الرابعة: من شبه العلمانيين: حديث زوجة أبي أسيد الساعدي: عن سهل بن سعد رضي الله عنهما قال: لما عرّس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما صنع لهم طعامًا ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بلّت تمرات في تور من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام أماثته له، فسقته تتحفه بذلك. قالوا: فالحديث يدل على أنه يسوغ للمسلم أن يدع زوجته تستقبل ضيوفه وأن تشرف بنفسها على تكريمهم، وأن هذا ليس مما يأباه الإسلام: والجواب:
لقد علم الفقهاء وعلماء المسلمين جميعًا أنه لا ضير في أن تتقدم المرأة بسترها الإسلامي الكامل فتقدم إلى ضيوف في دارها طعامًا أو شرابًا تكرمهم به وزوجها أو قريبها جالس. وهذا هو الذي وقع من امرأة أبي أسيد في حفل عرسه. قال ابن حجر: "وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة ومراعاة ما يجب عليها من الستر". أ.هـ.
وليس كثيرًا في حفل يحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكرم العروس مَقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتولى بنفسها إكرامه وتقديم الضيافة إليه، وليس في ذلك ما يشينها، كما أنه ليس فيه ما يلصق به عليه الصلاة والسلام أي منقصة. وإنما الشين واقع فيما لو عثر المتعلق بهذا الحديث على أنها برزت أمام الرجال سافرة بادية الجسم والزينة، وهذا ما لا يمكن أن يعثر عليه، وما لا دليل عليه في الحديث.
الشبهة الخامسة: من شبه العلمانيين: الاختلاط في التعليم للصغار: ينادي بعض الناس بالاختلاط في المدارس للصغار بحجة أن ذلك لا يضرهم ولا يؤثر عليهم، وبحجة أن المرأة أشد لباقة وأحسن معايشة للصغار. والجواب:
1- إن هذه الخطوة يتبعها خطوات، ويصبح الأمر سهلاً، ويأتي من يقره عبر المراحل الدراسية الطويلة على تلك الحال الممقوتة، فأول الغيث قطرة، ومعظم النار من مستصغر الشرر، والإسلام وضع القواعد والأسس الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل أحكامها وقوانينها، ومَنَعَ الحيل وأمر بسد الذرائع.
2- إن فكرة الاختلاط في التعليم أو غيره بين الرجال والنساء فكرة ماسونية وبذورها استعمارية دخيلة على الأمة، وهي أشد ضررًا على هذه الأمة من الدعوة إلى السفور علانية والتبرج ونزع الحجاب، لأنها تشتمل على هذا كله وأكثر منه.
3- إن الطفل يبدأ في النمو والتفتح والتطلع إلى المعرفة من السنة السادسة وهذا أمر واقع وثابت بالتجربة. فها هو يدرس ويتعلم ويحفظ ويحرص على العلم والتعلم والمعرفة من هذا السنّ بل قبلها، وتجد أن الإسلام أمر الأبوين بأن يأمرا صغيرهما بالصلاة من بعد السنة السابعة بنين وبنات، وأمر بعزل البنين عن البنات في سن العاشرة وهو سن التمييز، فالابن يبدأ تفتحه وتحرك غرائزه من هذا السنّ، ويبدأ يدرك فيها كثيرًا من أمور الحياة. وبالتجربة فإن بعض الصغار من بنين وبنات يبلغون سنّ الرشد من بعد التاسعة، وقد يتخلف بعضهم في الدراسة الأولى فيصل عمره إلى الثانية عشرة تقريبًا أو أكثر وهو في الصف الثاني أو الثالث، وهذه بداية سنّ المراهقة.
4- إذا رجعنا إلى الإحصائيات التي تأتي من البلاد المختلطة عرفنا تمامًا النسبة العالية في انتشار جرائم الزنا بين الصغار، ونسبة الحوامل فيمن سنهنّ في حدود الثانية عشرة من أعمارهنّ. وذكر الأستاذ سيد قطب رحمه الله من مشاهداته في أمريكا في وقته أنه ظهر أن نسبة الفتيات الحوامل في إحدى المدارس الثانوية هناك 48%.
5- ومن نتائج الاختلاط في التعليم ضعف سوية التعليم وتدني نسبة الاستفادة العلمية، ومن يزور بعض الفروع الجامعية المختلطة أو ينظر في نتائج الامتحانات آخر العام الدراسي يتبين له ذلك. وقد زار بعض الكتّاب مدرسة في بلجيكا ولاحظ أن جميع طلابها بنات، فلما سأل عن ذلك أجابته المديرة بقولها: "قد لمسنا أضرار اختلاط الأطفال حتى في سنّ المرحلة الابتدائية".
إنَّنا وكأي أمة مسلمة وكغيرنا من مجتمعات المسلمين يوجد من بيننا دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، إنَّهم قوم من بني جلدتِنا ويعيشون بين أظهرِنا ويتكلَّمون بألسنتنا، يلبسون لباس الإصلاح، ويزينون باطلهم بدثار الصلاح (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُون) إنهم أرباب الشهوات ودعاة الشبهات المتهوكون في أودية الباطل، أولئك المنهزمون الذين لم يجدوا سبيلاً لرفع رؤوسهم إلا بالتقليد المطلق لكل غربي، فهو المحور الذي يدورون فيه، واستعلوا بانهزاميَّتهم وتطاولوا بسقوطهم وعدَّوا ذلك باباً من أبواب التَّزين يتبخترون به على غيرهم، إنَّهم فئة تمتد جذورهم الفكرية في فكر أعداء الإسلام، تشرب منه وتستمد من تعاليمه ومناهجه، يدّعون الإيمان والإسلام ويزعمون أنَّهم على الهدى والصلاح، فإذا ما تكشفت خبيئتهم وجدنا نُفوساً مريضة أسرها الهوى وغلبت عليها الشهوات وأحاطت بها الشكوك والشُبُهات، إن هذه الفئة بكتاباتها وأقوالها وطرحها تسعى إلى جر الأمة لمستنقع الاختلاط ووحل الانحطاط الذي غاصت فيه المسلمات في بلاد أخرى فجنت منه المصاب والعلقم. إن المأزق الذي يتساقط فيه هؤلاء يوماً بعد يوم هو أنهم لا يملكون مشروعاً حضارياً جاداً لنهضة الأمة، وإنما غاية ما يملكون أنَّهم يريدون أن يزجوا بالأمة في المُستنقع الغربي الآسن، ليكون أبناؤها عبيداً يتمرغون تحت أعتابهم. تارة تحت مسمى الاقتصاد، وتارة تحت غطاء المعارض الثقافية، وأخرى تحت ستار حماية البيئة، ورابعة بستار الاختراع والمخترعين، ومرة عبر مهرجان الزهور، وهكذا إلى أن تتقبل الأمة فكرة الاختلاط وتخضع للأمر الواقع، ولا بأس عندهم أن تظهر المرأة متحجبة تارة ومتكشفة تارة أخرى حسب البيئة والمجتمع، وإذا نجحوا في مرحلة تقدموا إلى غيرها إلى أن تتحول الأمة في النهاية إلى مُستنقع من الفساد والانحلال، هذا في الوقت الذي ترتفع فيها صيحات العُقلاء في الغرب والشرق منادية المرأة بالعودة إلى بيتها والحِفاظ على كرامتها، وفي الوقت الذي تتجه فيه الدول الغربية إلى حماية أخلاقها، فأنشأت مستشفيات خاصة بالنساء، ومواصلات خاصة بالنساء، ومنحت مزايا للمرأة التي تعكف على تربية أولادها. فمتى نعي؟ ومتى نفيق من غفلتنا.
الشبهة السادسة: من شبه القوم: الاختلاط يخفف الشهوة -زعموا-: يدعي دعاة الاختلاط أن اختلاط الرجال بالنساء يمكن أن يخفف من حدة إثارة الدافع الجنسي لدى كل من الرجل والمرأة حتى يصبح الأمر طبيعياً. والجواب:
الأمر بالعكس تمامًا، فإن الاختلاط يزيد من شدة إثارة الدافع الجنسي، ولو أن اختلاط الرجل بالمرأة يخفف من حدة الدافع الجنسي لدى كل من الرجل والمرأة لوجدنا أن هذا الدافع يخف تدريجيًا ثم يصل إلى درجة الانعدام عند كل واحد من الزوجين بعد فترة من زواجهما لشدة اختلاط أحدهما بالآخر بشكل مستديم، ولكن الواقع هو عكس ذلك، إذ يستمر هذا الدافع لدى كل منهما ما دام أنه سوي في صحته الجسمية والعقلية.
ولقد ظهر زيف هذه الخرافة يومًا بعد يوم في مجتمع يتزايد فيه الاختلاط بدون قيود، ففي كل يوم يزداد فيه الاختلاط تزداد فيه الشهوة الجنسية استعارًا. وتشير بعض التقارير إلى أن أكثر من تسعين في المائة من النساء غير المتزوجات في أوربا وأمريكا يمارسن الزنا إما بطلاقة أو من حين لآخر.
يردد العلمانيون أن التحرش الجنسي الذي يحصل في مجتمتعاتنا سببه الكبت الجنسي الموجود، وهذا الفصل التام بين الجنسين.
لنفترض جدلاً صحة تلك المقولة، فيا ترى كيف سنعلل مشكلة التحرش الجنسي والاغتصاب التي تعاني منها المجتمعات الغربية على أعلى المستويات وأقلها؟! هل سببها الكبت الجنسي أم الانفجار الجنسي!.
تشير إحصائيات المفوضية الأوروبية إلى أنه خلال عام 1999م تعرض نحو 50% من النساء العاملات إلى تحرشات جنسية. وتقول المفوضية إن حجم هذه الظاهرة غير مدرك على نحو فعلي في دول الاتحاد، وأن 35% من النساء و10% من الرجال يتعرضون إلى شكل من أشكال التحرش الجنسي في مكان العمل.
في اليابان التي تعد من أكثر دول العالم تسامحاً في الممارسات الجنسية، طالبت النساء بتدخل حكومي لوضع حد للتحرشات الجنسية. وفي هذا الصدد قال متحدث باسم شركة كيو إلكتريك اليابانية: إن شركته تلقت في عام 1999م مئات الشكاوي من السيدات تتركز حول تعرضهنّ لتحرشات، فضلا عن مئات أخري يخشى أصحابها من الإبلاغ عنها، مما جعلها تعلن عن عزمها تخصيص عربات منفصلة للسيدات فقط في الأوقات المتأخرة من الليل بخطوطها التي تخدم المناطق الغربية من العاصمة خلال فترة إجازات بداية العام الجديد.
ويذكر أن التحرشات الجنسية بمترو الأنفاق والقطارات تعد أخطر مشكلة تواجه السيدات في اليابان، لدرجة أنه تقرر تخصيص شرطة نسائية في المحطات الكبرى لتلقي الشكاوي فيها واعتقال مرتكبيها!.
وإذا كانت مشاكل المعاكسات ومثيلاتها في مجتمعاتنا يمارسها الشباب، فإن ظاهرة التحرش الجنسي في الغرب تمارس على أعلى المستويات! فبالإضافة إلى قصص كلينتون الشهيرة مع المتدربات في البيت الأبيض هناك قصص أخرى لعدد لا بأس من القسس والجنرالات في الجيش الأمريكي اشتهر عنهم التحرش الجنسي!. فقد أجرت الشرطة البريطانية تحقيقا في اتهامات لتعرض تلاميذ في مدرسة الكنيسة الكاثوليكية التي يدرس فيها أبناء رئيس الوزراء السابق "توني بلير" لتحرشات جنسية من قس كان يعمل بها. وأعرب أساقفة كنيسة البلاد الكاثوليكية التي تواجه بالفعل تحقيقاً واسع النطاق في حوادث تحرش جنسي بأطفال تحت رعايتها عن سخطهم بسبب القضية المتهم فيها "ديفيد مارتن" وهو قس ومشرف بمدرسة الكنيسة الخاصة في لندن قبل وفاته منذ عامين عن 44 عاماً. وفي خبر طريف تناقلته وسائل الأنباء تقدمت امرأة تشغل رتبة جنرال في الجيش الأميركي وتعمل في منصب مساعدة رئيس الأركان في الاستخبارات العسكرية بشكوى ضد جنرال بتهمة التحرش الجنسي مؤكدة أنه قام بالتحرش بها في مكتبه. وقد اعترف وزير الدفاع الأمريكي بالحادثة وقال للصحفيين "إن الشكوى رفعت ولا يمكنني التعليق على هذه المسألة، لكنني أقول بأن التحرش الجنسي لن يكون مقبولا على أي مستوى كان وإن الدعوى ستأخذ مجراها". الغريب أن الغربيين عموماً والأمريكيين على وجه الخصوص يحملون معهم هذه المشكلة أينما ذهبوا وأقاموا، ففي اليابان أيضاً حكم على جندي من مشاة البحرية الأمريكية بالسجن عامين لتحرشه جنسياً بتلميذة يابانية في جريمة أثارت احتجاجات ضد القوات الأمريكية.
فدعوى أن الاختلاط يخفف من حدة إثارة الدافع الجنسي دعوى باطلة، تخالف الفطرة، وتعارض العقل، ويكذبه الواقع.